ابن قيم الجوزية

618

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وقال أبو عمرو بن نجيد : كل حال لا يكون عن نتيجة علم فإن ضرره على صاحبه أكثر من نفعه . وقال : التصوف الصبر تحت الأوامر والنواهي . وكان بعض أكابر الشيوخ المتقدمين يقول : يا معشر الصوفية ، لا تفارقوا السواد في البياض تهلكوا . وأما الكلمات التي تروى عن بعضهم : من التزهيد في العلم ، والاستغناء عنه . كقول من قال : « نحن نأخذ علمنا من الحي الذي لا يموت ، وأنتم تأخذونه من حي يموت » . وقول الآخر - وقد قيل له : ألا ترحل حتى تسمع من عبد الرزاق ؟ - فقال : ما يصنع بالسماع من عبد الرزاق ، من يسمع من الخلاق ؟ وقول الآخر : العلم حجاب بين القلب وبين اللّه عزّ وجلّ . وقول الآخر : إذا رأيت الصوفي يشتغل ب « أخبرنا » و « حدثنا » فاغسل يدك منه . وقول الآخر : لنا علم الحرف . ولكم علم الورق . ونحو هذا من الكلمات التي أحسن أحوال قائلها : أن يكون جاهلا يعذر بجهله « 1 » ، أو شاطحا معترفا بشطحه ، وإلا فلو لا عبد الرزاق وأمثاله ، ولولا « أخبرنا » و « حدثنا » لما وصل إلى هذا وأمثاله شيء من الإسلام « 2 » . ومن أحالك على غير « أخبرنا » و « حدثنا » فقد أحالك : إما على خيال صوفي ، أو قياس فلسفي ، أو رأي نفسي . فليس بعد القرآن و « أخبرنا » و « حدثنا » إلا شبهات المتكلمين . وآراء المنحرفين ، وخيالات المتصوفين ، وقياس المتفلسفين . ومن فارق الدليل ، ضل عن سواء السبيل . ولا دليل إلى اللّه والجنة ، سوى الكتاب والسنة . وكل طريق لم يصحبها دليل القرآن والسنة فهي من طرق الجحيم ، والشيطان الرجيم . و « العلم » ما قام عليه الدليل . والنافع منه : ما جاء به الرسول . و « العلم » خير من « الحال » : « العلم » حاكم و « الحال » محكوم عليه . و « العلم » هاد و « الحال » تابع . و « العلم » . آمر ناه و « الحال » منفذ قابل ، و « الحال » سيف ، إن لم يصحبه « العلم » فهو مخراق في يد لاعب . « الحال » مركب لا يجارى . فإن لم يصحبه « علم » ألقى صاحبه في المهالك والمتالف . والحال كالمال يؤتاه البر والفاجر . فإن لم يصحبه نور « العلم » كان وبالا على صاحبه . الحال بلا علم كالسلطان الذي لا يزعه عن سطوته وازع . الحال بلا علم كالنار التي لا سائس لها . نفع الحال لا يتعدى صاحبه . ونفع العلم كالغيث يقع على الظّراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر .

--> ( 1 ) هذا الجهل جريمة لا عذر . ( 2 ) ومتى كانوا مسلمين ، اللهم إلا مجرد الدعوى . ودليلهم على غرورهم وجاهليتهم ذلك الشطح والعجب والإدلال على اللّه المنتقم الجبار .